ظهرت مجموعة القصص القصيرة الأولى تحت عنوان «أرخص ليالي»، وتحتوي هذه المجموعة على إحدى وعشرين قصة قصيرة ويمثل معظمها المشاهد والملاحظات الحيوية والأحداث غير المعقدة وتعكس هذه القصص خبرة أيام طفولته المؤلف و شبابه وتقدم تصوير الحياة في القرى المصرية ومدنها الصغيرة كما تعرض هذه المجموعة عناية المؤلف وقلقه للطبقات المصرية الفقيرة المتخلفة،التى تعيش حياة قلقة وتواجه مشاكل عديدة كل يوم، بدقة بليغة وبراعة كاملة حتى تتحدث الحقائق والآثار بنفسها عن الأحوال المتواجدة في الشعوب المصرية . لا توجد أية أخلاقية فإنها مجرد بكاء وحقيقة واضحة. وبضعة من هذه القصص قصيرة للغاية يمكننا الملاحظة في قصة «النظرة» التي يقدم فيها المؤلف صورة حيوية دقيقة مؤثرة عندما يقدم قصة طفلة صغيرة. جمهورية فرحات: ظهرت هذه المجموعة القصصية سنة 1959م، تحتوي على ثلاث قصص ورواية وهي «قصة الحب». والقصص في هذه المجموعة أطول بالمقارنة بـ «أرخص ليالي» وتمثل تصويرا واسعا للشعوب المصرية وأما هيكلها فهوأكثر تعقيدا. القصة تحت عنوان جمهورية فرحات متكونة من حبكتين منفصلتين فالأولى تعرض لنا الأحداث الفوضوية التى وقعت في مركز من مراكز الشرطة بالقاهرة. هذا المركز مملوء بالمؤكلين ورجال الشرطة والمحكومين عليهم ويراقب عليه الرقيب فرحات فيُدخل الكاتب في هذا المشهد حبكة أخرى وهنا يأتي الراوي ويبدو أنه من الطبقة العليا للمجتمع ولكنه يتم الاعتقال عليه لبعض التهم أوالأخرى، بالخطأ بدأ يحاور معه الرقيب فرحات وبدأت تظهر عليه الصورة الحالمة للمجتمع المثالى التى خلقها من عند نفسه.تصبح هذه الصورة الحالمة حبكة ثانية للقصة.والمجتمع الذي عرضه الكاتب فيها متكون من الرجال السعداء وجميعهم مؤظفون ويعملون في جو متلائم ويلبسون نفس الزي ويعيشون حياة مريحة ناعمة متلذذين بوسائل الحياة كلها ولا تزال تجري القصة إذ يقاطع بعض المؤكلين الرقيب فرحات فيسبه فرحات ويلعنه ولكنه يواصل القصة. وعن طريق هذا السرد يعرض لنا المؤلف أن هناك رجلا مختلفا عنهم تماما يريد الإصلاح في العالم عامة وفي المجتمع المصري خاصة ولكن رؤيته غير واقعية وأخيرا يعرف فرحات بأن الرجل الذي شاركه في حلمه هو في قيد الاعتقال أيضا فيتغير مزاجه وتخيب أماله. وفي «قصة حب» يصف يوسف إدريس مقاومة المصريين ضد الاحتلال البريطاني ويعتقد اعتقادا كاملا بأن العدل والحق لهما الفوز والنجاح في نهاية المطاف ويقوى هذا الفكر مزيدا عندما يقوم الكاتب بسرد قصة الحب بين الوطنيين حمزة وفوزية. وبالمقارنة بـ «أرخص ليالي» تقدم هذه المجموعة موضوعات مختلفة واسعة النطاق وتعرض تصويرا قويا للشعوب المصرية ومواقفها ومشاكلها كما يُدخل الكاتب الأفكار الفلسفية والتصريحات الاجتماعية فيها ويتغير أسلوبه أيضا فيُدخل الحوار الأكثر تطورا ويعطي المناجاة أهمية بالغة وتصبح الرموز والغنائية مرئية بصفة كاملة. البطل: نشرت هذه المجموعة سنة 1957م وهي تعالج المواضوعات من الوطنية والسياسية ويلاحظ القارئ وطنية إدريس الحماسية عندما يعرض مشهد الجنود الإنكليزيين في بعض من قصصه. إن مشهد السفينة الأخيرة التى تحمل الجنود الإنكليزيين عند خروجهم من أرض مصر يجعل الكاتب مسرورا بالغا ولكن في نفس الوقت يقلقه فيقول لا أود أن يغادر عدونا وطننا العزيز بهذا الطريق ولكن أود أن يعانوا من تلك المشاكل والمصائب التى لاقتها الشعوب المصرية بسبب وجودهم وحكومتهم عليها ولا يكون ممرهم سهلا بل يتركوا وطننا وهم خاضعين مقهورين هازمين هزيمة فاحشة ويلاقيهم الرصاص في سبيلهم. وكذلك يلاحظ القارئ هذه الصورة الوطنية في قصة «الصح» عندما يتلقى المؤلف نبأ تأميم قناة السويس فيبتهج بالفرح والسرورو يفتخر بأن المصريين يقاتلون ويجاهدون من أجل وطنهم العزيز. وتشكل الواقعية النفسية للشخصيات كلها الميزة الرئيسية لجميع القصص في هذه المجموعة ويرى الكاتب بأن نفسية الرجل تتحدد وفقا للظروف الاجتماعية ولابد أن تكون الظروف مثالية وتمنح الشعوب كل الفرص وتعطيها حرية كاملة في جميع المجالات. والجدير بالذكر أن القصص داخل هذه المجموعة تشير بكل وضوح إلى تمكين الكاتب على تصوير الوصف الإنساني بدقة وبراعة كاملة. أليس كذلك: ظهرت هذه المجموعة سنة 1957م وطبعت مرة ثانية سنة 1970م باسم «قاع المدينة».تناقش هذه المجموعة المشاكل الاجتماعية والخلقية المصرية بصورة أوسع ولكن أكتفى هنا بسرد قصة «قاع المدينة ». هي قصة القاضي عبدالله الذي يفقد ساعته ويشك في خادمته «شهرت» بأنها سرقتها ودفع هذا الشك إلى أن يسافر إلى قاع المدينة فيبدأ القاضي رحلته للقبض على شهرت متهما إياها بالجريمة. الحبكة بنفسها ساخرة لأن القاضي الذي يجلس في المحكمة كل يوم مصدرا الأحكام لطبقة مختلفة من الناس، قلما يغادر شقته الواقعة في الضفة الخضراء بالقاهرة ولكن عندما ترتكب الجريمة ضده فينشغل ويريد أن يواجه المجرم في عقرداره وأخيرا يبدأ القاضي الرحلة إلى قاع المدينة مع صديقه وعندما يمران بمنطقة فقيرة يصبح الجو خانقا ويصعب أن يواصلا الرحلة على السيارة فيمشيان وخلال هذه الرحلة يطلع القاضي على الأحوال البائسة للطبقات المتخلفة ، كيف تعيش في صورة لا يمكن لعامة الناس أن يعيشوا الحياة فيها. فكانت الشوارع ضيقة والدكاكين والمنازل صغيرة للغاية والجو متلوث وعندما يصل القاضي مدينة شهرت فيرى الناس متكئين بعضهم على بعض والأطفال يلعبون في ركام من القمامة والنساء يتغنين جالسات فيما بينهن والذباب في كل مكان. وأخيرا يواجهها القاضي ويسأل عن ساعته ففي أول أمرها تنكر وفي نهايتها تقبل جريمتها بسبب الضغوط الهائلة عليها وينال القاضي ساعته بسهولة. ونهاية الرواية متشائمة جدا، فتُخبر عن هذا الطريق بأن شهرت البائسة المسكينة وآلاف مثلها ليس لديهن أي فرص أن يحلمن بالمستقبل الزاهرالناجح المبني على العدالة الإجتماعية والمساواة الطبقية. وفي الحقيقة هذه رواية واقعية تتناول القضايا الإجتماعية ويقول المؤلف عن طريق هذه الرواية لابد لنا أن نعمل في صالح الشعوب والمجتمعات ونبني المجتمع على العدالة والمساواة ويتمتع كل أفراد من المجتمع بثمار التطور والرقي والنمو ويستطيعوا أن يكملوا أحلامهم حسب رغباتهم.